السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )
94
أصول الفلسفة
الحواس من الطرق العلمية البرهانية لا تقصر عنها في الخبط والخلط ، ألا ترى أنّ عشّاق البراهين الفلسفية مع ما تجهّزوا بالفنون الصائنة عن الخطأ - على زعمهم - قد أحاطت بهم الأوهام وحاقت بهم الأغلاط في العلوم والمسائل الفلسفية وما زال الجدال قائماً على ساقيه ، فالمتأخّر منهم يناقش برهنة المتقدّم منهم ويؤاخذه ويورد عليه ، ولو تدبّر الإنسان الحر في هذا الوضع السائد ، لوقف على أنّ ما يسمّيه القوم علوماً وأدلّة ، خيالات وتسويلات وأنّ الإنسان بعد شهود هذا الخلاف لا يطمئن على ما ربّما يقف عليه من الطرق العلمية ولا تثق نفسه بأنّ ما أدركه عين الحقيقة أو قريب منها . الإجابة على الشبهة : ما ذكره بصورة البرهان لا يدعم ما رامه ، إذ لم يدّع إنسان انّه خلق مصوناً من الخطأ والسهو والنسيان وانّ الأذهان لا تحيد عن الحقيقة « 1 » بل كل ذي لب يعترف بأنّ له أخطاء جمّة يرتكبها وهو غافل عنها ، بل ربّما يقضي حياته على غفلات واشتباهات .
--> ( 1 ) . وقوع الخطأ في بعض الموارد والاهتداء إليه أحياناً لا يسوّغ رفع اليد عن العلوم الفطرية والحقائق المسلّمة وضرب الكلّ على الجدار ، ونفي العلم بالحقائق على وجه الإطلاق . بل نفس الاهتداء إلى هذه الأخطاء أوضح دليل على أنّ هنا حقائق مسلّمة لا يشوبها رين الشك وقد اهتدينا ببركتها إلى وجود بعض الأخطاء ، فلو لم يكن بين إدراكاتنا ، ما يتّصف بالصحة والسلامة ، على وجه الجزم بحيث يكون مقياس الصحّة والفساد في سائر الموارد ، لما اهتدينا إلى وجود هذه الأغلاط والأخطاء فانّ الخطأ أمر نسبي أو قياسي فلا يمكن الحكم بكون النسبة غلطاً إلّا بقياسه على أمر آخر يكون الحكم فيه مسلّماً حتى يحكم بصحّته عند تطابقهما ، وبالخطأ عند تخالفهما ، ولو لم يكن بين علومنا ما هو صحيح على وجه القطع لما صحّ لنا تسمية بعض منها خطأ وغلطاً ، فإنّ الغلط لا يستنتج من الغلط ، ولا يجوز الحكم ببطلان أمر إذا قيس بباطل آخر . ثمّ إنّا نسأل القوم ومن آثرهم من الغربيّين فانّهم مع ما يرون الكون كلّه خيالًا في خيال ، لا يختلفون عمّن سواهم قدر شعرة ، لا في الآداب ولا في الأعراف فلا ترى واحداً منهم يغض بصره في قطع الطريق أو يكون البئر والطريق في نظره سيّان بأن يتلقّاهما من الأُمور الوهمية ويحسبهما كليهما من الخيال ، بل تراهم يستدلون بالبراهين العقلية والعلوم الدارجة ، بل نفس هذه الشبهات قد جاءت بصورة الاستدلال ، فلو كانت البرهنة العقلية عاطلة لكانت الشبهات أولى بالبطلان .